الغزالي
9
إحياء علوم الدين
وقسم قالوا إنّا نجلس بمرأى من الغلمان حتى لا يخطؤنا ، ولكن نأخذ إذا أعطونا رغيفا واحدا ، ونقنع به . فلعلنا نفوز بالخلعة ، ففازوا بالخلعة . وقسم رابع اختلفوا في زوايا الميدان ، وانحرفوا عن مرأى أعين الغلمان ، وقالوا إن اتبعونا وأعطونا قنعنا برغيف واحد ، وإن أخطئونا قاسينا شدة الجوع الليلة ، فلعلنا نقوى على ترك التسخط ، فننال رتبة الوزارة ودرجة القرب عند الملك ، فما نفعهم ذلك ، إذ اتبعهم الغلمان في كل زاوية ، وأعطوا كل واحد رغيفا واحدا وجرى مثل ذلك أياما ، حتى اتفق على الندور أن اختفى ثلاثة في زاوية ، ولم تقع عليهم أبصار الغلمان ، وشغلهم شغل صارف عن طول التفتيش ، فباتوا في جوع شديد . فقال اثنان منهم . ليتنا تعرضنا للغلمان وأخذنا طعامنا ، فلسنا نطيق الصبر . وسكت الثالث إلى الصباح ، فنال درجة القرب والوزارة . فهذا مثال الخلق والميدان هو الحياة في الدنيا وباب الميدان الموت . والميعاد المجهول يوم القيامة . والوعد بالوزارة هو الوعد بالشهادة للمتوكل إذا مات جائعا راضيا من غير تأخير ذلك إلى ميعاد القيامة ، لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون . والمتعلق بالغلمان هو المعتدى في الأسباب . والغلمان المسخرون هم الأسباب . والجالس في ظاهر الميدان بمرأى الغلمان هم المقيمون في الأمصار في الرباطات والمساجد على هيئة السكون . والمختفون في الزوايا هم السائحون في البوادي على هيئة التوكل ، والأسباب تتبعهم ، والرزق يأتيهم إلا على سبيل الندور . فإن مات واحد منهم جائعا راضيا فله الشهادة والقرب من الله تعالى وقد انقسم الخلق إلى هذه الأقسام الأربعة ، ولعل من كل مائة تعلق بالأسباب تسعون ، وأقام سبعة من العشرة الباقية في الأمصار متعرضين للسبب بمجرد حضورهم واشتهارهم ، وساح في البوادي ثلاثة ، وتسخط منهم اثنان ، وفاز بالقرب واحد . ولعله كان كذلك في الأمصار السالفة . وأما الآن فالتارك للأسباب لا ينتهى إلى واحد من عشرة آلاف الفن الثاني في التعرض لأسباب الادخار فمن حصل له مال بإرث . أو كسب ، أو سؤال أو سبب من الأسباب ، فله في الادخار ثلاثة أحوال الأولى : أن يأخذ قدر حاجته في الوقت ، فيأكل إن كان جائعا ، ويلبس إن كان عاريا ، ويشتري مسكنا مختصرا إن كان محتاجا ، ويفرق الباقي في الحال ، ولا يأخذه ولا يدخره